يرى قسطانتنيوس فيليس، في هذا التحليل، أن العلاقات المصرية التركية تشهد تقاربًا متسارعًا، في مقابل تراجع الزخم الذي طبع العلاقات المصرية اليونانية خلال السنوات الأخيرة. ويعزو هذا التحول إلى مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية التي دفعت القاهرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، بما يخدم مصالحها الإستراتيجية في مرحلة تتسم باضطرابات غير مسبوقة في الشرق الأوسط.
وتوضح صحيفة كاثيميريني أن هذا التقارب لا يعني انتهاء الخلافات التاريخية بين القاهرة وأنقرة، بل يعكس براجماتية سياسية فرضتها تحديات إقليمية معقدة، أبرزها الأزمات الاقتصادية، وتداعيات الحرب في السودان، والتوترات المرتبطة بإسرائيل وليبيا، إضافة إلى تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية.
الضغوط الاقتصادية تدفع مصر إلى توسيع شراكاتها الإقليمية
يؤكد الكاتب أن الضغوط الاقتصادية تمثل الدافع الأول وراء انفتاح القاهرة على أنقرة. فمصر تواجه نموًا سكانيًا متسارعًا تجاوز 115 مليون نسمة، إلى جانب أعباء استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، بينما تراجعت إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة بصورة ملحوظة، الأمر الذي زاد الحاجة إلى جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال.
ويرى أن هذه الظروف دفعت القاهرة إلى إبداء مرونة أكبر تجاه الانضمام إلى ترتيبات إقليمية جديدة، خاصة مع استعداد تركيا لتوسيع استثماراتها الصناعية داخل مصر، واستمرار السعودية في ضخ استثمارات كبيرة داخل الاقتصاد المصري، مع سعيها إلى بناء تفاهمات إستراتيجية تجمع القوى العربية الكبرى مع تركيا وباكستان.
ويشير الكاتب إلى أن لكل دولة دورًا داخل هذا التصور الإقليمي، إذ تمتلك باكستان قوة الردع النووي، بينما توفر تركيا قدراتها العسكرية ومكانتها داخل حلف شمال الأطلسي، في حين تستند مصر إلى ثقل جيشها، وموقعها الجغرافي المحاذي لقطاع غزة، وتأثيرها التقليدي في العالم العربي.
إسرائيل وليبيا والسودان تعيد رسم أولويات القاهرة وأنقرة
يعتبر الكاتب أن السياسة الإسرائيلية الحالية دفعت عددًا من الدول العربية إلى مراجعة حساباتها، بعدما تصاعدت المخاوف من احتمالات فرض حلول تتعلق بالقضية الفلسطينية قد تنعكس على مصر والأردن. كما أدى تراجع الثقة في الولايات المتحدة إلى تشجيع القوى الإقليمية على البحث عن صيغ تعاون جديدة، حتى وإن ظلت مؤقتة أو محدودة.
ويتوقف التحليل عند الملف الليبي، موضحًا أن تركيا غيّرت نهجها خلال الفترة الأخيرة بعدما فتحت قنوات تواصل مع سلطات شرق ليبيا، وقدمت إشارات سياسية واقتصادية هدفت إلى تقليل حدة الانقسام. وأسهم هذا التحول في تخفيف التوتر مع مصر، التي تنظر إلى استقرار حدودها الغربية باعتباره أولوية أمنية، خاصة في مواجهة خطر الجماعات المسلحة وتهريب السلاح.
كما يلفت الكاتب إلى أن استمرار الخلاف بين مصر والإمارات بشأن السودان، رغم تعاونهما الوثيق سابقًا في ليبيا، يعكس طبيعة التحالفات المتغيرة في المنطقة، حيث تفرض المصالح الوطنية نفسها على حساب الاصطفافات التقليدية.
السودان والصناعات الدفاعية ومستقبل العلاقات المصرية التركية
يشير الكاتب إلى أن الحرب في السودان مثلت نقطة تقاطع جديدة بين القاهرة وأنقرة، إذ يدعم الطرفان الحكومة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. كما يرى أن الدعم العسكري التركي، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة، عزز موقف الجيش السوداني خلال الأشهر الماضية.
ويضيف أن مصر لا تبدي اعتراضًا واضحًا على المساعي التركية لتعزيز حضورها البحري في السودان، لأن الأولوية المصرية تنصب حاليًا على تأمين الحدود الجنوبية واحتواء تداعيات الأزمة السودانية، التي تشمل تدفقات اللاجئين وانتشار شبكات تهريب السلاح وتنامي نشاط الجماعات المسلحة.
ويبرز الكاتب كذلك أهمية الصناعات الدفاعية التركية بالنسبة للقاهرة، إذ يمكن أن تفتح المجال أمام الحصول على تجهيزات عسكرية حديثة وتوسيع فرص التصنيع المشترك، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعدًا إستراتيجيًا يتجاوز الملفات السياسية.
كما يوضح أن تراجع الدعم التركي العلني لجماعة الإخوان المسلمين، وحرص أنقرة على تقليص النشاط السياسي للإخوان المصريين المقيمين على أراضيها، أسهما في إزالة إحدى أبرز نقاط الخلاف التي عطلت العلاقات بين البلدين طوال السنوات الماضية.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن القاهرة وأنقرة تمتلكان دوافع قوية لتطوير علاقاتهما في المرحلة الحالية، إلا أن الطموحات الإقليمية التركية قد تعيد إحياء مظاهر التنافس وتضارب المصالح على المدى المتوسط والبعيد. ويرى أن تركيا ستواصل السعي لإبرام اتفاق مع مصر بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهو ملف مرشح لأن يحتل موقعًا متقدمًا في أجندة العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار سعي الطرفين إلى تحقيق توازن بين التعاون والمنافسة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
https://www.ekathimerini.com/opinion/1308593/why-egypt-is-inching-closer-to-turkey/

